القرطبي
46
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
من عمل عملا بنية من قلبه ، كقوله : « الأعمال بالنيات » وفي هذا المعنى خبر عجيب يأتي ذكره آنفا إن شاء اللّه تعالى . ويجوز أن يراد به رحمة على مسلم ، رقّة على يتيم ، خوفا من اللّه ، رجاء له ، توكّلا عليه ، ثقة به ، مما هي أفعال القلوب دون الجوارح ، وسماها إيمانا لكونها في محل الإيمان . والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلنا ، ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد له ، ونفي الشركاء والإخلاص ، بقول لا إله إلا اللّه ؛ ما في الحديث نفسه من قوله : « أخرجوا أخرجوا » . ثم هو سبحانه بعد ذلك يقبض قبضة فيخرج قوما لم يعملوا خيرا قط ، يريد إلّا التوحيد المجرّد من الأعمال . وقد جاء هذا مبينا فيما رواه الحسن عن أنس وهي الزيادة التي زادها علي بن معبد في حديث الشفاعة : « ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخرّ له ساجدا ، قال : فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشفّع . فأقول : يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا اللّه . قال : ليس ذاك لك - أو قال : ليس ذلك إليك - وعزّتي وكبريائي وعظمتي وجبروتي لأخرجنّ من قال لا إله إلا اللّه » « 1 » . وذكر الترمذي الحكيم أبو عبد اللّه في « نوادر الأصول » عن محمد بن كعب القرظي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يكتب على جباههم عتقاء الرحمن فيسألون أن يمحو ذلك الاسم عنهم فيمحوه » وفي رواية : « فيبعث اللّه ملكا فيمحوه عن جباههم » الحديث وسيأتي . يقال : محا لوحه يمحوه محوا ، ويمحيه محيا ، ومحاه أيضا فهو ممحوّ وممحي ، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها فأدغمت في الياء التي هي لام الفعل . وأنشد الأصمعي : كما رأيت الورق الممحيا وانمحى : انفعل ، وامتحى لغة فيه ضعيفة . قاله الجوهري . وذكره أبو بكر البزار في « مسنده » عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أما أهل النار الذين هم أهلها ؛ فلا يموتون فيها ولا يحيون ، وأما الذين يريد اللّه إخراجهم فتميتهم النار ثم يخرجون منها ، فيلقون على نهر الحياة ، فيرسل اللّه عليهم من مائها فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ، ويدخلون الجنة ، فيسميهم أهل الجنة : الجهنميين ، فيدعون اللّه تعالى فيذهب ذلك الاسم عنهم » « 2 » .
--> ( 1 ) تقدّم تخريجه . ( 2 ) تقدّم تخريجه .